عبد الله بن أحمد النسفي
76
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 27 ] الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 27 ) الحق ، وأنّ الكفار الذين غلب الجهل على عقولهم إذا سمعوه كابروا وعاندوا وقضوا عليه بالبطلان وقابلوه بالإنكار ، وأنّ ذلك سبب هدى المؤمنين وضلال الفاسقين والعجب منهم كيف أنكروا ذلك وما زال الناس يضربون الأمثال بالبهائم والطيور وأحشاش « 1 » الأرض فقالوا : أجمع من ذرة وأجرأ من الذباب وأسمع من قراد وأضعف من فراشة وآكل من السوس وأضعف من البعوضة وأعزّ من مخّ البعوض ، ولكن ديدن المحجوج والمبهوت أن يرضى لفرط الحيرة بدفع الواضح وإنكار اللائح وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ هو مفعول يضل وليس بمنصوب على الاستثناء ، لأن يضل لم يستوف مفعوله . والفسق : الخروج عن القصد « 2 » . وفي الشريعة : الخارج عن الأمر بارتكاب الكبيرة ، وهو النازل بين المنزلتين أي بين منزلة المؤمن والكافر عند المعتزلة وسيمر عليك ما يبطله إن شاء اللّه . 27 - الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ النقض : الفسخ وفكّ التركيب . والعهد : الموثق . والمراد بهؤلاء الناقضين لعهد اللّه أحبار اليهود المتعنتون ، أو منافقوهم ، أو الكفار جميعا ، وعهد اللّه ما ركز في عقولهم من الحجة على التوحيد ، كأنّه أمر وصاهم به ووثقه عليهم ، أو أخذ الميثاق عليهم بأنّهم إذا بعث إليهم رسول يصدقه اللّه بمعجزاته صدقوه وأتبعوه ولم يكتموا ذكره ، أو أخذ اللّه العهد عليهم أن لا يسفكوا دماءهم ولا يبغي بعضهم على بعض ولا يقطعوا أرحامهم ، وقيل عهد اللّه إلى خلقه ثلاثة عهود ، العهد الأول الذي أخذه على جميع ذرية آدم عليه السّلام « 3 » بأن يقروا بربوبيته ، وهو قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ « 4 » الآية ، وعهد خصّ به النبيين أن يبلّغوا الرسالة ويقيموا الدّين ، وهو قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ « 5 » وعهد خصّ به العلماء ، وهو قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ « 6 » مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ أصله من الوثاقة وهي إحكام الشيء ، والضمير للعهد ، وهو ما وثّقوا به عهد اللّه من قبوله
--> ( 1 ) في ( ز ) وخشاش . ( 2 ) زاد في ( ز ) والفاسق . ( 3 ) ليست في ( ظ ) . ( 4 ) الأعراف ، 7 / 172 . ( 5 ) الأحزاب ، 33 / 7 . ( 6 ) آل عمران ، 3 / 187 .